صديق الحسيني القنوجي البخاري

572

فتح البيان في مقاصد القرآن

الوصف بالمصدر لقصد المبالغة في كونها لذة ، ولا يحتاج إلى تقدير المضاف ، قال الحسن : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، له لذة لذيذة . يقال : شراب لذ ولذيذ ، كما يقال : نبات غض وغضيض ، واللذيذ كل شيء مستطاب ، وقيل : البيضاء هي التي لم تعتصرها الرجال ثم وصف هذه الكأس من الخمر بغير ما يتصف به خمر الدنيا فقال : لا فِيها غَوْلٌ أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها ، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع ، قال الفراء : العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء ، وقال أبو عبيدة : الغول أن تغتال عقولهم ، وقال الواحدي : الغول حقيقته الإهلاك ، يقال : غاله غولا واغتاله أي أهلكه ، والغول : كل ما اغتالك أي أهلكك ، ومنه الغول بالضم شيء توهمته العرب ، ولها فيه أشعار كالعنقاء . وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ أي يسكرون . يقال : نزف الشارب فهو منزوف ونزيف إذا سكر قرأ الجمهور : يُنْزَفُونَ مبنيا للمفعول . وقرىء : بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الرجل إذا ذهب عقله من السكر فهو نزيف ومنزوف ومنزف ، يقال : أحصد الزرع إذا آن حصاده وأقطف الكرم إذا حان قطافه . قال الفراء : من كسر الزاي فله معنيان يقال : أنزف الرجل إذا فنيت خمره ، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ، وتحمل هذه القراءة على معنى لا ينفد شرابهم لزيادة الفائدة ، قال النحاس : والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى لأن معنى ينزفون عند جمهور المفسرين لا تذهب عقولهم فنفى اللّه سبحانه عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها ، من الصداع والسكر . وقال الزجاج وأبو علي الفارسي معنى لا ينزفون بكسر الزاي : لا يسكرون ، قال المهدوي : لا يكون معنى ينزفون يسكرون . لأن قبله لا فيها غول أي لا تغتال عقولهم ، فيكون تكريرا ، وهذا يقوي ما قاله قتادة : إن الغول وجع البطن وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وقال الحسن : إن الغول الصداع ، وبه قال ابن عباس . وقال ابن كيسان هو المغص فيكون معنى الآية لا يكون فيها نوع من أنواع الفساد المصاحبة لشرب الخمر في الدنيا من مغص أو وجع بطن أو صداع أو عربدة أو لغو أو تأثيم ، ولا هم يسكرون منها ، ويؤيد هذا أن أصل الغول الفساد الذي يلحق في خفاء يقال : اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية ، ومنه الغول والغيلة : القتل خفية ، وقرىء : ينزوفون بفتح الياء وكسر الزاي ، وقرىء : بفتح الياء وضم الزاي . عن ابن عباس قال : في الخمر أربع خصال السكر والصداع والقيء والبول فنزه اللّه خمر الجنة عنها ، فقال : لا فِيها غَوْلٌ أي لا تغول عقلهم من السكر ، وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قال : لا يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها .